يشكل الكاتب والروائي حسونة المصباحي حالة فريدة داخل الوسط الثقافي العربي نظرا لأن مختلف أعماله القصصية ونظيرتها الروائية تجعل من الواقع التونسي مختبرا للتفكير، بل إن أدب المصباحي عبارة عن خطاب أدبي ينتصر للهامش وعوالمه المتخيلة.

كما أنه خطاب لا يعيد اجترار الأشكال الأدبية وقوالبها الفنية، بل يقوم على بنية أدبية متماسكة تثور على الأشكال الأدبية التقليدية، ويجد القارئ لمختلف أعماله الروائية هذا النوع من النزوع صوب شكل جمالي لا يعترف بـ”الحبكة” الروائية.

هذا النوع من الكتابة الذي تنتفي فيه بعض شروط العمل الروائي لكنه يقدم نفسه ككتابة حرة ومتحررة من ربقة الأساليب القديمة، ذلك إنها نمط من تجريب الكتابة المفتوحة والعابرة للأجناس الأدبية وفنونها.

زاوج صاحب “كتاب التيه” بين الكتابة الروائية والقصة والنقد وأدب الرحلة، وانتقل بين مختلف هذه الأجناس الأدبية كما لو أنه ينتقل من بادية تونس صوب جغرافيات مختلفة من العالم.

هذا التعدد الذي مارسه حسونة منذ بواكيره الأولى جعله كاتبا محبوبا لدى قرائه ويمتلك قدرة هائلة على الحكي والتنقل بين جنس وآخر، وفي هذا الحوار تقف الجزيرة نت عند حدود تجربة حسونة المصباحي ومدى علاقتها بالبيئة التونسية وأحوالها:

تعدد أدبي

  • أولا، كيف تعيش هذا التعدد بين كتابة القصة والرواية والنقد الأدبي والرحلات؟

لست الوحيد في هذا التعدد، كثير من الكتاب العرب والأجانب برعوا في مجالات مختلفة فكتبوا القصة والرواية وأدب السيرة وأدب الرحلة والمسرح وغير ذلك، ولعلي من سلالة هؤلاء، وقد بدأت بكتابة القصة، ونلت شهرة بفضل هذا اللون الأدبي داخل بلادي وخارجها، وترجمت العديد من قصصي إلى اللغتين الألمانية والإنجليزية وحزت على إعجاب القراء والنقاد.

وواحدة من هذه القصص وهي بعنوان “السلحفاة” اعتبرتها لجنة جائزة “كاين” التي كان يرأسها الكاتب الكبير كوتزي (الحائز على جائزة نوبل للآداب) واحدة من أفضل 5 قصص في القارة الأفريقية، وكان ذلك سنة 2000.

وكان عليّ أن أنتظر سن الأربعين لكي أكتب روايتي الأولى “هلوسات ترشيش”، وبعدها لم أتوقف عن كتابة الرواية، ومؤخرا عدت إلى كتابة القصة القصيرة وسوف تصدر قريبا في مجموعة.

وبحكم عملي صحفيا سافرت كثيرا، ومن وحي تلك الأسفار كتبت نصوصا عن مدن وعن بلدان زرتها، عربية وأجنبية، وقد صدرت هذه النصوص في كتاب بعنوان “كتاب التيه”، كما كتبت في أدب السيرة وفي النقد وفي أدب اليوميات، وكل هذا لاستيعاب عوالم مختلفة وتجارب متعددة عشتها في حياتي.

وليس لي تفسير واضح لهذا التعدد، فقط أقول إني أنجدب إلى كل هذه الألوان الأدبية لأنها توفر لي فرصة لا يمكن أن يوفرها لي لون أدبي واحد، أحب أن أكون بألوان مختلفة ومتعددة مثل طيور الجزر، هكذا أنا.

البيئة التونسية وأحوالها

  • في مجمل أعمالك الأدبية تأخذ البيئة التونسية أهمية بالغة على مستوى الفضاء والخطاب والشخصيات.. إلى أي حد يستطيع الأديب أن يخلق نوعا من التماهي بين الذات والواقع والتاريخ؟

كل كاتب أصيل هو ابن بيئته فلا ينفصل عنها أبدا.

ومبكرا اكتشفت أن الأدب الحقيقي ينبثق من تربة ومن بيئة هذا الكاتب أو ذاك ليكون عاكسا لواقع ولتاريخ ولثقافة ولعادات وتقاليد.

فمن خلال هوميروس نحن نتعرف على بلاد الإغريق في العصور القديمة، ومن خلال ثيربانتس نتعرف على إسبانيا في عصر النهضة، ويمكننا أن نحصل على صورة حية عن روسيا في القرن الـ19 من خلال قصص وروايات تشيكوف وتولستوي ودستويفسكي وغوغول وتورغينييف وغيرهم.

وكان الفيلسوف الألماني كارل ماركس يقول إن روايات الكاتب الفرنسي بالزاك هي أفضل ما يمكن الاستناد إليه للتعرف على المجتمع الفرنسي في زمن بروز البورجوازية الرأسمالية.

و”ثلاثية” نجيب محفوظ تقدم لنا صورة حية عن المجتمع المصري بين ثورة 1919 ونهاية النظام الملكي في مطلع الخمسينيات، وأنا حرصت منذ البداية على أن تكون قصصي ورواياتي نابعة من القرية الصغيرة التي فيها ولدت ونشأت ومن واقع بلادي وتاريخها القديم والحديث ومن واقعها في مختلف تجلياته وأشكاله وتضاريسه.

وقد عشت فترة طويلة بعيدا عن بلادي إلا أني لم أنفصل عنها أبدا، بل كانت ولا تزال تسكنني، ومنها أستوحي كل قصصي ورواياتي، ولعلي نجحت في ذلك إلى حد بعيد.

الأدب وسؤال الهامش

  • مجموعتك القصصية “جنون ابنة عمي هنية” حققت لك شهرة واسعة وساهمت بتكريسك كواحد من الأدباء المنشغلين بمفهوم الهامش داخل الأدب التونسي.. كيف تنظر إلى هذا النوع من الأدب؟ وما قيمته وخصائصه الفنية والجمالية؟

قبل صدور مجموعتي “حكاية جنون ابنة عمتي هنية” كانت القصة التونسية حبيسة المدن الكبيرة، خصوصا العاصمة، وجل شخوصها بورجوازيون صغار يعيشون القلق والحيرة والاضطرابات النفسية.

ونادرا ما قرأت في تلك الفترة، أي الستينيات والسبعينيات قصة تدور أحداثها في الأرياف، حتى أن الكتاب القادمين من الأرياف كانوا يعتقدون أن الكتابة عنها فعل عقيم، بل قد يكون مخالفا للأدب في معناه الحقيقي، لكأن سكان الأرياف كائنات غبية وحقيرة وسطحية لا تستحق الاهتمام.

عدت إلى قريتي في شتاء 1978 هاربا من أجواء العاصمة ومن أمراض مثقفيها، وانتبهت عندئذ إلى أن قريتي يمكن أن تكون فضاء للعديد من القصص التي كانت تختمر في ذهني

وأذكر أني عدت إلى قريتي في شتاء 1978 هاربا من أجواء العاصمة ومن أمراض مثقفيها ومن شعارات اليساريين الفارغة، وعلى مدى 3 أشهر غرقت في قراءة مؤلفات كبار الكتاب الروس والأميركيين وانتبهت عندئذ إلى أن قريتي يمكن أن تكون فضاء للعديد من القصص التي كانت تختمر في ذهني.

ولما نشرت قصتي الأولى في جريدة الصباح اليومية وجدت في الحين تجاوبا كبيرا من قبل القراء، إذ إنهم وجدوا فيها ما كشف لهم عن واقع كان مغيبا ومحتقرا ومهملا من قبل الكتاب ورجال المسرح والسينما وغيرهم.

وقد ازداد القراء إعجابا بقصصي لما صدرت في مجموعتي “حكاية جنون ابنة عمي هنية” التي شكلت منذ ذلك الحين وثيقة مهمة عن الريف في الوسط التونسي وعن واقعه وعن عاداته وتقاليده.

والحقيقة أني كنت منذ البداية منحازا إلى أدب الهامش وإلى كتّاب ينتصرون في أعمالهم إلى المهمشين والمهملين والمنسيين والضائعين في دروب الحياة الشائكة والمتشابكة.

النص المفتوح

  • ثمة شيء مثير للانتباه في عدد من أعمالك الروائية، ويتمثل في خصوصية النص الروائي الذي تكتبه.. كيف اهتديت ووعيت ذاتك من خلال مفهوم النص المفتوح العابر للأجناس؟

الكتابة حرة أو لا تكون، وأنا حرصت منذ البداية على أن أكون دائم التمرد على كل أشكال التقيد بأسلوب محدد أو بطريقة معينة في الكتابة، وكنت وما زلت أسخر من الذين يتحدثون عن الحبكة في الرواية أو في القصة.

لذلك تجدني دائما بصدد البحث عن شكل جديد يتلاءم مع القصة أو مع الرواية التي أكتبها، بل قد تجد في هذه القصة أو في هذه الرواية مزيجا من الأشكال المختلفة في الكتابة، ومن التقنيات المستوحاة من الأدب الشفوي أو من كبار الكتاب الحداثيين من أمثال جويس وفوكنر وغابرييل غارسيا ماركيز وغيرهم.

ويحلو لي كما هو حالي في روايتي الجديدة “ليلة حديقة الشتاء” أن يكون شخوصي واقعيين لا متخيلين.

لذا يحضر “الكاتب العاري” الذي قد يكون محمد شكري، و”الشاعر العراقي الحزين” الذي قد يكون عبد الوهاب البياتي، و”مهيار الدمشقي” الذي قد يكون أدونيس.

وهناك من احتفظت بأسمائهم مثل الفنان التونسي فاضل الجزيري الذي ترتبط مسيرته الفنية بأهم مراحل التاريخ التونسي منذ الاستقلال وحتى هذه الساعة.

وأنا أحاول أن تكون رواياتي متنوعة في مواضيعها في أساليبها الفنية واللغوية وغيرها، ولا أتوقف عند رواية أحداث بل أذهب بعيدا لاستحضار أعمال فلسفية وروائية وشعرية وسينمائية لها تأثير على الشخوص.

الحبكة لا تهمني ولا أفكر فيها إطلاقا وأنا أكتب، ولا أرى أنها شرط أساسي في الكتابة الروائية كما يزعم ذلك كثيرون في العالم العربي، وأنا أسأل: أين الحبكة في “أوليسيس” جيمس جويس، وفي جل روايات هنري ميللر، وفي “البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست وفي العديد من الأعمال الروائية الأخرى؟

  • ألا تخاف من ضياع مفهوم الحبكة الروائية التي قد تعتبر شرطا أساسيا في الصناعة الروائية المعاصرة؟

لقد سبق أن ذكرت أن الحبكة لا تهمني ولا أفكر فيها إطلاقا وأنا أكتب، ولا أرى أنها شرط أساسي في الكتابة الروائية كما يزعم ذلك كثيرون في العالم العربي.

وأنا أسأل: أين الحبكة في “أوليسيس” جيمس جويس، وفي جل روايات هنري ميللر، وفي “البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست وفي العديد من الأعمال الروائية الأخرى؟

لذلك، أنا أعتقد أن الحبكة ليست شرطا، ولا يمنحها أهمية إلا من تعودوا على الرضوخ وليست لهم القدرة على التمرد وعلى القدرة على الخلق والابتكار، لذا هم يرتبكون ويفقدون الصواب حالما يجدون أنفسهم خارج القطيع، أن يشغل الكاتب نفسه بالحبكة يجعله في النهاية حبيس السطح بحيث لا يمكنه أن يذهب بعيدا في الابتكار.

جماليات أدب الرحلة

  • إلى جانب الرواية، كتبت مجموعة من المؤلفات في أدب الرحلة، وتتمتع هذه النصوص بجاذبية خاصة.. ما السر وراء تعلقك الدائم بأدب الرحلة؟ وإلى أي حد يمكن اعتباره أدبا؟

أدب الرحلة قديم في الأدب العربي، وهناك مؤلفات عظيمة في أدب الرحلة مثل رحلة ابن بطوطة ورحلة ابن فضلان، وكانت جل أعمال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ثمرة تجارب روحية قام بها خلال رحلاته الكثيرة من الأندلس إلى بلاد المشرق، ويمكن اعتبار “المقامات” ثمرة رحلات متخيلة أو حقيقية.

وويزخر كتاب “ألف ليلة وليلة” بعشرات الرحلات الغريبة والعجيبة، وفي العصر الحديث نحن نجد كتابا كبارا استوحوا مواضيع أعمالهم الروائية والقصصية من خلال رحلاتهم عبر العالم.

وهذا ما فعله أندريه مالرو في روايته “الوضع البشري” المستوحاة من رحلته إلى بلدان آسيوية.

ونجد تأثير الرحلات أيضا في رائعة مالكون لاوري “تحت البركان”، وفي قصص وروايات همنغواي ولوي فارديناد سيلين وبريس شاتوين وغيرهم، وأنا استفدت كثيرا من أسفاري من الناحية المعرفية، وفي كل رحلة أقوم بها إلى هذه المدينة أو تلك أحاول أن أنفذ إلى تاريخها وإلى ما تختزنه في تاريخها من أحداث ومن أعمال فنية وفكرية وغيرها.

معنى هذا أني لا أسافر كسائح يكتفي بزيارة المعالم التاريخية والتجول في الحدائق والشوارع، بل أحاول أن تكون رحلتي معرفية أولا وأخيرا.

لذلك، حين أسافر أحمل معي كتبا عن هذه المدينة أو تلك لتكون غذائي الروحي أثناء طوافي فيها، ولعل أجمل ما كتبت في أدب الرحلة كان عن رحلتي إلى الأندلس وعن زيارتي لقرية فوانتا فاكيروس حيث ولد فريدريكو غارسيا لوركا، كما أعتبر كتابي “الرحلة المغربية” الذي فيه دونت أحداثا ومراحل مهمة في تاريخ وفي ثقافة المغرب من أهم كتبي على جميع المستويات.

غلاف رواية نوارة الدفلي
  • إلى أي حد ساهمت غربتك في المنفى لسنوات طويلة في تحقيق نوع من التكامل الأدبي بين ما نتعلمه من الكتب وما يقترحه علينا الواقع اليومي من تصورات؟

في العديد من الحوارات التي أجريت معي أشرت إلى أني أصبحت كاتبا بالمعنى الحقيقي للكلمة في غربتي الألمانية، إذ تمكنت من التعرف على ثقافات العالم ومن التوحد بنفسي بعيدا عن الأجواء التونسية الخانقة حيث تكثر الثرثرة الفارغة والصراعات المدمرة ويكاد ينعدم الجدل المفيد والعميق.

كما أدركت الأبعاد الحقيقية للكتابة والثقافة بصفة عامة لأستفيد من الموسيقى من المسرح ومن الفنون التشكيلية ومن السينما بالخصوص.

وفي الغربة تعلمت أن أكون نفسي أولا وأخيرا، لذا عندما عدت إلى قريتي بعد غياب طويل وجدت نفسي محملا بتجارب مهمة جعلتني قادرا على مواصلة العمل في الصمت والوحدة.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © السعودية تايمز. جميع حقوق النشر محفوظة.